النويري
196
نهاية الأرب في فنون الأدب
انفرد خرجوا عليه وقتلوه بالمكان الَّذى ذكرناه ، وخرج الموكب لتلقّيه على العادة ، فطال انتظارهم له فلم يرجع ، فعادوا ؛ ثمّ خرجوا ثانيا وقصّوا الأثر ، فوجدوا حماره وثيابه ، كما ذكرناه ، فعادوا إلى القصر وطلبوه من أخته ستّ الملك وقالوا : إن مولانا ما جرت عادته بهذا . فقالت لهم : إن رقعته قد وصلت إلينا أنه يأتي بكرة الغد . فتفرّقوا . فبعثت الأموال إلى وجوه الدّولة والقوّاد على يد ابن دوّاس ، وبقى الأمر مستمرّا والحال متماسكا إلى عاشر ذي الحجة من السنة ، فجرى بين العساكر وبين ستّ الملك كلام كثير أوجب أنها أخرجت إليهم ولده أبا الحسن عليّا في يوم الأضحى فبايعه الناس ، على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى في أخباره ، هذا ما حكى في سبب إعدامه . وأما سيرته وأفعاله وأخباره ، فقد قدّمنا منها على حكم السنين ما قدمنا ، فلنذكر خلاف ذلك . قال المؤرخ : كان الحاكم سيئ الاعتقاد ، كثير التنقّل من حال إلى حال . كان في ابتداء أمره يلبس الثّياب الفاخرة والمذهبة ، والعمائم المنظومة بالجوهر النّفيس ، ويركب في السّروج المحلَّاة ، ثم ترك ذلك على تدريج أن ينتقل منه إلى لباس المعلم غير المذهب ، ثم لباس الساذج ؛ ثم زاد به الأمر حتى لبس الصّوف والشواشى وركب الحمير ، وأظهر الزّهد ، وكثر استطلاعه على أخبار النّاس ، فلم يخف عليه خبر رجل ولا امرأة من حواشيه ورعيّته وكان يأخذ بيسير الذّنوب ، ولا يملك نفسه عند غضبه ؛ أفنى خلقا كثيرا ، وأقام هيبة عظيمة . وكان مع طعيانه المستمرّ وفتكه ، وسفكه للدّماء ، وظلمه ، يركب وحده تارة وفى الموكب أخرى ، وفى المدينة طورا وفى البرّيّة آونة ، والنّاس كافّة على غاية الهيبة له والخوف منه ، وهو بينهم كالأسد